الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

213

الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل

وهي في الحقيقة بيان مصداق حسي وواضح يمكن للإنسان أن يرى فيه عاقبة نسيان الله تعالى . والظاهر أن المقصود في هذه الآية هم المنافقون والذين أشير لهم في الآيات السابقة ، أو أن الملاحظ فيها هم يهود بني النضير ، أو كلاهما . وجاء نظير هذا المعنى في قوله تعالى : المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف ويقبضون أيديهم نسوا الله فنسيهم إن المنافقين هم الفاسقون ( 1 ) . ومع وجود قدر من التفاوت بين الآيتين ، أنه ذكر نسيان الله هناك كسبب لقطع رحمة الله عن الإنسان ، وفي هذه الآية محل البحث سبب لنسيان الذات . وبالتالي فإن الآيتين تنتهيان إلى نقطة واحدة . " فلاحظ " وفي آخر آية - مورد البحث - يستعرض سبحانه مقارنة بين هاتين الجماعتين : الجماعة المؤمنة المتقية السائرة باتجاه المبدأ والمعاد ، والجماعة الغافلة عن ذكر الله ، التي ابتليت كنتيجة للغفلة عن الله بنسيان ذاتها . حيث يقول سبحانه : لا يستوي أصحاب النار وأصحاب الجنة . ليس في الدنيا ، ولا في المعتقدات ، وليس في طريقة التفكير والمنهج ، وليس في طريقة الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان وأهدافه ، ولا في المحصلة الأخروية والجزاء الإلهي . . إذ أن خط كل مجموعة من هاتين المجموعتين في اتجاه متعارض . . متعارض في كل شئ وكل مكان وكل هدف . . إحداهما تؤكد على ذكر الله والقيامة وإحياء القيم الإنسانية الرفيعة ، والقيام بالأعمال الصالحة كذخيرة ليوم لا ينفع فيه مال ولا بنون . . والأخرى غارقة في الشهوات واللذات المادية ، وأسيرة الأهواء ومبتلية بالنسيان ( 2 ) . . وبهذا فإن الإنسان على مفترق

--> 1 - التوبة ، الآية 67 . 2 - حذف المتعلق أي متعلق " لا يستوي " دليل على العموم .